interview donné au Monde Amazigh N°104, Janvier 2009

* كيف تقرأون التظاهرات الأخيرة المتعلقة بالاحتفال بمرور 12 قرنا من تاريخ البلاد؟

ما يمكن قوله بشأن هذه التظاهرات، والتي استفادت من حملة إعلامية قوية داخل المغرب وحتى خارجه، هو كون علماء الآثار والمؤرخين الحقيقيين ,العارفين بخبايا التاريخ، يلاحظون أن الأمر يشكل مغالطة مستفزة, تنم عن تجاهل للجذور و المكونات الحقيقية لتاريخ المغرب. فاختصار تاريخ فاس في 12 قرنا من الزمن، خطا تاريخي يراد اشاعته في اوسط الرأي العام الوطني.  والحال أن كل الدلائل العلمية تدحض هذه المقولة. فموقع فاس، من الناحية الجغرافية، هو عبارة عن منخفض طبوغرافي يربط بين السهول الأطلنتيكية والمغرب الشرقي. فهو اذا ممر استراتيجي بالنسبة للتنقلات البشرية على ممر التاريخ، وضروري بالنسبة لأي تنقل بشري المرور عبر موقع فاس فمضيق تازة، للإلتحاق بالهضاب العليا , ومن تم الوصول إلى تلمسان. هذا الموقع الاستراتيجي هو الذي يفسر تعاقب عدة حضارات إنسانية متجذرة في التاريخ فوقه. ربما القليل من يعرف ان لفاس جذور ماقبل تاريخية. فمنطقة عين السمن(ضواحي مدينة فاس)، المجاورة لموقع الألعاب"الجوهرة الخضراء"، مشهورة عالميا بتواجد مغارة جد هامة، عرفت حفريات اركيولوجية ما بين سنتي 1972 و 1975. مغارة عين السمن أمدتنا بلقى أثرية ترجع إلى العصرالحجري النحاسي(Chalcolithique)، ترجع من الناحية التاريخية الى الفترة الممتدة ما بين 3000 إلى 1800 سنة قبل الميلاد. على نفس  المنوال, علم الاثار يعطينا معلومات تفيد أن الهضاب المطلة على فاس، تحتضن ما يسمى ب "الحوانيت" ، وهي عبارة بيوت منحوتة داخل الصخور, استعملت كقبور عائلية. هذه الحوانيت لازالت الى يومنا هذا بارزة للعيان في احياء بوجلود، باب الكيسة وقصبة فيلالة. فجميع تلك الكهوف المصطنعة التي كان عبارة عن مدافن عائلية, تؤرخ بالفترة الممتدة ما بين 800 و 400 سنة قبل الميلاد. هذه الاثارالدالة على اصالة الحضارة المورية في  منطقة فاس والمغرب عامة, توضح بشكل جلي  أن موقع فاس لا يمكن اختزاله في 12 قرنا من الزمن فقط. 

* التزوير لم يطل مدينة فاس لوحدها، بل يطال كذلك تاريخ المغرب وخارج أسوار مدينة فاس، قد نقرأ تاريخ إمبراطوريات ودول...كيف يمكن التأصيل لتاريخ المغرب؟

هذا الربط المغلوط لتأسيس الدولة المغربية باثنى عشر  قرنا من الزمن، لا يمكنه الصمود امام المكتشفات الاثرية التي تعطي الدلائل المادية عن عمق تاريخ المغرب. فتكوين الدولة المغربية لم يكن حدثا فجائيا, بل هو ثمرة نمو متسلسل يتعدى مئات القرون. هذه التغيرات بدات قرابة  3000 سنة قبل الميلاد. فبعد ان كانت  الشعوب التي استوطنت المغرب في عصور ما قبل التاريخ , تتمتع بنمط حياة  مشاعي بدائي, ظهرت البوادر الاولى للتراتبية الاجتماعية تزامنا مع اكتشاف الانسان الشمال الأفريقي للمعادن. ادى استعمال النحاس, ثم البرونز في  المجال الزراعي  الى وفرة الانتاج الغذائي, الذي ادى بدوره الى نمو ديمغرافي لم يسبق له مثيل. التكاثف السكاني كان وراء ظاهرة التمدن التي بدات مع بزوغ الالفية الاولى قبل الميلاد. المعطيات الاثرية تؤكد يوما بعد يوم ان ظاهرة التمدن وصلت اوجها ما بين 500 الى 400 سنة قبل الميلاد, اي قبل الاحتلال الروماني بمئات السنين.

كما ان اصالة النظام الملكي " régime monarchique " في المجتمع المغربي تتعدى  12 قرنا من الزمن,  فهو متجذر في عمق تاريخ المغرب. فمصطلح " أكليد " ظهر في بعض الكتابات الليبية-البونية حوالي 500 سنة قبل الميلاد. فالشعوب الامازيغية كانت دائما تميل الى النظام السياسي الملكي , الى حد انها سمت احدى حواضر المغرب  بالمدينة الملكية "كيلدا ", التي يطلق عليها حاليا اسم "غيغا ",المتواجدة قرب سيدي اسليمان الغرب. 

* وكيف جاء مفهوم التمدن؟ وماهي في نظركم أول مدينة شهد تها البلاد؟

 لحد الآن، وحسب المعطيات الأركيولوجية المتوفرة ، يمكن اعتبار موقع ليكسوس, قرب العرائش,  أقدم مدينة اثرية في المغرب. هذا الموقع تحوم حوله مغالطات تاريخية، كانت وراءها الكتابات التاريخية للمؤرخين القدامى، ثم زكتها الكتابات الاستعمارية وبعض الكتاب المغاربة الذين يسيرون في نفس المنوال. اغلبهم يعتبرون ليكسوس مستعمرة فينيقية شيدت داخل "المجال الأمازيغي البدائي". البحوث الأركيولوجية بينت مدى عدم صحة هذه المقولة، لأنه في إطار سبر أغوار المدينة ذاتها، حيث وصل الحفر إلى أعمق المستويات ، يتبين أنه تحت البقايا التي تنسب الى الفينيقيين، توجد طبقات أركيولوجية يرجع تاريخها إلى ما قبل الفينيقيين وهي للسكان الأصليين، بمعنى أن الشعوب الأمازيغية لم تنتظر مجيئ الفينيقيين لتشييد حضاراتها. وهذه الأمور كلها لا يمكن ربطها بالخارج، فهي نتاج تطور تاريخي داخلي في شمال أفريقيا. وفي ليكسوس يمكن ملاحظة هذه الامور، كما نجدها بمدينة "تنجيس" الاثرية ، إلا أنه، ولسوء الحظ، شيدت مدينة طنجة الحالية فوق مدينة "تنجيس" وحالت بيننا وبين التنقيب فيها. إن أغلب المواقع التي تعتبر رومانية، إلى حدود 20 سنة مضت، أصبح البحث الأركيولوجي حاليا يبين بالملموس أن هذه المواقع عرفت استقرارا بشريا وازدهارا عمرانيا ومدنيا بأربع أو خمسة قرون قبل الرومان، نذكر منها مواقع  "تموسيدا" ، " كيلدا" و"بناصا" بسهل الغرب, وموقع "تمودا" قرب تطوان, بالاضافة الى موقعي "كوطا" و"قواس" قرب اصيلة.  

* كيف يمكن مواجهة هذه التروهات التي تشرف عليها جهات رسمية؟

أعتقد أنه يجب مصالحة المغاربة مع تاريخهم، لأنه يبدو من الظاهر أن هناك إرادة خفية لاستبدال الجذور التاريخية الحقيقية للمغرب و المغاربة، بجذور مزيفة  يستميت بعضهم في البحث عنها في مجالات جغرافية جد نائية, متغافلين ان الهوية لا يمكن لا شراؤها ولا طمسها. فالشعوب التي تقتلع جذورها, كما الاشجار, ايلة للسقوط. البحث العلمي قادر على إعطاء نتائجه والمساهمة في الشعور بالافتخار للانتماء الى هذه الامة وما ينقصنا هو التغطية الإعلامية الجادة. 

* ما المطلوب من المجتمع المدني، وخاصة النشطاء الأمازيغ؟

لا يمكن ضرب الشيء بمثله, بل بنقيضه. والحل هو أن نتفحص أصل الداء لمواجهته بالوسائل العلمية. كما سبق لي أن أشرت، ان المنحى العلمي هو الذي يجب يشكل الأساس و المقياس. مسألة التحسيس  مجال اشتغال الجمعيات ، وعلماء الآثار والمؤرخين كانوا دائما رهن إشارة الجمعيات العاملة في هذا الاتجاه. 

* ولكن المؤرخين استميلوا هم الآخرون للعب دور العازف على أنشودة 12 قرنا من حياة البلاد؟

ليس جميعهم، ولأن كتابة التاريخ لم تكن كتابة موضوعية، دائما الذاتية هي الغالبة.  وعلماء الآثار هم  الأجدر في أداء مهمة تصحيح مثل هل الأساطير التاريخية، نظرا لاعتمادهم على اللقى الأثرية وهي معطيات مادية ملموسة ليس فيه ما هو ذاتي. فعندما يكون هناك نقاش حول فترة تاريخية ما, فالمنهجية العلمية ترشح كفة اللقى الأثرية، لأنها تقدم براهن مادية لا يمكن تحريفها عكس الكتابات التاريخية التي يمكن تأويلها، كل حسب قراءته.

 

Bibliographie

Youssef Bokbot ,1992 : La basse vallée de l’Oued Loukkos à la fin des temps préhistoriques.  Actes du  Colloque International : la ville antique de Lixus.Larache 8-11 , novembre 1989.  Collection de l’Ecole   Française de Rome. T. 166. Rome. pp. 17-26.

Youssef Bokbot , 1995 : Substrat autochtone et colonisation phénicienne au Maroc, Nouvelles recherches  protohistoriques dans la péninsule tingitane. Actes du 118 Congrès National des Sociétés  Historiques et Scientifiques. Pau 1993. France. (Paris) pp. 219-231.

Youssef Bokbot , 1998 : Une Céramique à Graffito à Lixus. Bulletin d’Archéologie Marocaine. Tome XVIII, pp. 321-323.

Youssef Bokbot , 2005 :  La civilizacion  del  Vaso Campaniforme en  Marruecos y la cuestion del  sustrato  calcolitico  precampaniforme. In, El Campaniforme en la Peninsula  Ibérica y su contexto europeo. Universidad de Valladolid. Serie: Arte y  Arqueologia, n°21, pp.137-159. 

Youssef Bokbot ,2006 : Réflexions  sur  le substrat  Amazigh  dans  les villes et ‘comptoirs’ phénico puniques   du   Maghreb  occidental. Hespéris – Tamuda, Publications de l’Université de Rabat.

Youssef Bokbot, 2008: Le cromlech de Mzora, témoin du mégalithisme ou  symbole de gigantisme de pouvoir ? In,  La pierre et son usage à travers les  âges .Jardin des Hespérides,   Revue de la Société Marocaine  d'Archéologie et de Patrimoine .N° 4, Mai / Octobre 2008. Rabat. pp.25-29

Dr Youssef Bokbot

 Professeur habilité

 Institut National des Sciences de l’Archéologie et du Patrimoine, Rabat Maroc. Tél: 037777716 Fax: 037 772758

Mobile: 06.63 81 00 58 

 Email : bokbotyoussef@yahoo.fr 

 Site web : http://bokbot.e-monsite.com/     

 

 

Ajouter un commentaire

Vous utilisez un logiciel de type AdBlock, qui bloque le service de captchas publicitaires utilisé sur ce site. Pour pouvoir envoyer votre message, désactivez Adblock.

Créer un site gratuit avec e-monsite - Signaler un contenu illicite sur ce site

×